الاثنين، 26 مارس 2012

الفصل الثامن: مفاجأة في المتنزه

في اليوم التالي لم يتمكن عمر من لقاء حسام، ولم يحاول العثور عليه، فقد شغله التفكير بالتقرير الذي طلبه المفوض السياسي عن كل شيء آخر.. وكي يكون تقريره مدروساً بشكل جيد، فقد أمضى عمر طيلة ذلك اليوم في لقاءات دردشة وحوارات مع زملائه في الوسط الطلابي عما يمكن فعله أو تطويره أو تصوره.. يتفق أحيانا معهم على أشياء.. وفي أحيان أخرى يعارض.. فالانتفاضة في رأيه يجب ان تظل محتفظة بصورتها الشعبية، معبرة عن عصيان شعب أعزل باسره يريد التحرر والاستقلال من احتلال طال امده، وأوغل في ظلمه، وطغى في جبروته، ولا بد ان ينتهي ولو بالعصا والحجر.

لكن اللقاء مع حسام تم صبيحة اليوم التالي، وكان ذلك من غير ميعاد.. فقد كان عمر خارجا من منزله في طريقه الى المدرسة عندما التقى حسام قرب معصرة الزيتون حيث بادره بالسؤال:

·       اريد ان نلتقي اليوم في نابلس.

ورد عمر:

-       ولماذا نابلس؟ هل من شيء يستدعي الذهاب الى نابلس؟

ورد حسام:

·       نعم.. لا أجد مكانا افضل من نابلس

-       ولكنك تعرف بان الطريق صعب هذه الايام..الا عبر الطرق الالتفافية.

·       وليكن.. سانتظرك في حديقة "المنتزة" بعد الظهر.

وحار عمر في الاجابة.. فلماذا يريده حسام في نابلس وحدود القرية واسعة.. لكن حسام قطع عليه التفكير قائلا:

·       هناك مهمة بشأن شخص يهمني أمره، وقد طلب فارس ان تساعدني فيها.

-       الا نستطيع الحديث بشانها في أي مكان هنا؟

·       كلا ليس الان.. كما ان الطرف المعني يجب ان يكون معنا ايضاً.

وثار الفضول مجددا عند عمر.. فهو يعرف أن حسام كتوم جداً في المسائل المتعلقة بالتنظيم.. وربما لا يريد الافصاح عن شيء حول هذه المهمة، وعن الشخص الذي يعنيه، ولكن طالما ان فارس، هو الذي اختاره لهذه المهمة فليس من واجبه الا التنفيذ حتى لو لم يعرف بالتفاصيل التي لم يكن حسام يريد ان يتحدث فيها في تلك اللحظة.

ثم نظر الى حسام قائلا:

-       حسنا.. ساتدبر اليوم أمري بعد المدرسة.

ورد حسام:

·       حسنا.. سوف اسبقك الى هناك.

وللحظة حاول عمر استيقاف حسام قبل ان يمضي بعيداً عنه لعله يجد جرأة في السؤال عن موضوع ولاء.. لكنه تردد، وشعر بانه قد لا يكون من حقه ان يعرف أموراً شخصية عن الآخرين.. خاصة عندما يكون الأمر متعلقا بفتاة قروية، بل وإبنة اخ من يتحدث معه.

وفي ذلك اليوم لم يكمل عمر ما تبقى من الدروس وهو يفكر بموضوع اللقاء في نابلس.. فان لم يسعفه الحظ ليذهب بسيارة احدهم وقت الظهيرة، فقد لا يستطيع ان يجد شخصا آخر يقبل بذلك..والطريق الى نابلس يزيد عن عشرة كيلومترات.. وقطع مثل هذه المسافة سيرا على الاقدام، وبعيدا عن انظار الجنود المتمركزين على الحواجز سيستغرق وقتا طويلا، وسيكون الامر شاقاً عليه خلال هذه الفترة.

ولذلك، ما ان دنت الساعة من العاشرة حتى كان عمر في الطريق عائدا الى البيت ليبلغ أهله بأمر ذهابه الى نابلس واحتمال أن يبيت فيها لو تاخر عن وقت المغرب.. وفي السوق، وجد سيارة أجرة لاحد ابناء القرية كانت تنتظر الامتلاء قبل ان تتجه الى نابلس عبر طريق جبلي وعر جعل ركابها يتقافزون فيما كانت رؤوسهم تصطدم بسقفها طوال الطريق.

وبينما كان السائق يحرك مؤشر الراديو، طلب عمر من السائق على نحو مباغت ان يوقفه لسماع خبر عابر في نشرة اخبار ذكره بالاجتماع الذي ضمه قبل يومين مع المفوض السياسي بينما كان صوت المذيع يقول:

-       اختار الألمان الشرقيون بغالبية عظمى اليوم الأحزاب التي كانت تطالب بانضمام سريع لألمانيا الشرقية إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية.

وعندما حاول ان يجعل من الخبر مادة للنقاش بين الركاب لم يكترث به احد الا واحد عقب ساخراً:

-       "ناقصنا المانيا!! يا اخي بيكفينا اللي فينا.. انا نازل نابلس لاشوف اذا بعرف أدبر إشي للاولاد".

لكن عمر أصر على مواصلة النقاش قائلاً:

·       ما يحدث في المانيا يهمنا بالتاكيد.. هذه ضربة جديدة للاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي، وهم الوحيدون الذين يدعموننا الآن.

فقاطعه السائق:

- "ويعني بالله عليك.. شو اللي عمله المعسكر الاشتراكي لليوم؟.. اليهود محتلين الضفة من 23 سنة .. ومن قبلها فلسطين من 42 سنة.. حدا من المعسكر الاشتراكي زحزحهم متر؟"

واستأنف ساخرا:

-       "وجاي تحكي لي عن المانيا؟؟"

وحاول عمر تكرار المحاولة قائلا:

·       "كنت عاوزهم ييجوا يحاربوا بدالنا؟ ولا بدال العرب؟ لكن لولا دعم المعسكر الاشتراكي وتسليحه للمنظمة ما كان توفرت لنا ظروف أفضل للانتفاضة"

ولم يرد عليه احد من الركاب هذه المرة، فادرك ان الاعباء التي خلفتها الانتفاضة كانت ايضا ثقيلة على الناس.. وهو نفسه يعاني من ذلك كطالب.. اذ قلما بات ينتظم في مدرسته ليوم دراسي كامل، وفي بعض المدن والقرى هناك الكثير من المدارس المغلقة منذ اكثر من عام باوامر عسكرية من الاحتلال.. وهناك من تطوع من المدرسين لتدريس تلاميذهم في الهواء الطلق تحت الاشجار.. وهذه نقطة رأى انها تستحق ان تعرض في التقرير الذي سيكتبه.. لان الامور ان ساءت عن هذا الحد فان مستويات التعليم ستنحدر.. فالاضرابات كثيرة .. والمواصلات صعبة.. والاهالي يخافون على أبنائهم  نتيجة الاغلاق المستمر للطرق.. وهناك تشتت واضح في التعليم ولا بد من التفكير في علاج مسألة التعليم، وهذا ما قرر ان يتعرض له بتفصيل اكثر في فقرة أساسية من تقريره المنتظر.

وفيما ظل السائق يحرك مؤشر الراديو من محطة الى اخرى يبث معظمها أناشيد وأغان وطنية من محطات ظهر بعضها إبان الانتفاضة من غرف في البيوت.. وصلت السيارة أخيرا الى "الدوار"، فطلب عمر من سائقها إنزاله بجانب معمل الطحينية القديم... ومن هناك اتجه شرقاً سيراً على قدميه باتجاه شارع رفيديا مرورا بمكتبة البلدية العريقة.. وما أن تخطى ذلك "الدرج" الصغير في مدخل "المنتزة" لمسافة قصيرة وهو يبحث عن حسام حتى اخذته المفاجأة على حين غرة .. وبصورة لم تخطر له على بال.

فعلى احدى الطاولات المنزوية التي تظللها اشجار المنتزة.. كان حسام جالسا وامامه على الكرسي المقابل إبنة اخيه ولاء.

وما ان التقت عينيه بعينيها كالمرة الاولى حتى أصابه إرتباك شديد حاول ان يخفيه على الفور كي لا يلاحظه حسام الذي اشار بيده نحو كرسي في الوسط داعياً عمر للجلوس عليه.

وربما اسعفه ذلك.. فقد كان عمر ما زال يهتز في داخله.. وكان ما زال مندهشا من سرّ وجود ولاء في اجتماع لمهمة أخبره حسام بأنها ستكون تنظيمية، وما علاقة ولاء بالتنظيم ان كانت هي الشخص المقصود؟

تساؤلات كثيرة حار في الحصول على اجابة سريعة عنها قبل ان يسارع حسام الى تبديد الدهشة التي ارتسمت على وجه عمر قائلاً وهو يشير بيده نحوها:

-       أعرفك على ابنة اخي.. ولاء..

ولم يجرؤ عمر على النظر إليها مرة اخرى ... بل ظل موارباً بجسمه نحو حسام محاولاً إخفاء انه رآها أو يعرفها من قبل.. وأن صورتها لا تفارق خياله منذ ثلاثة ايام.. وأنه كان يتحين أية فرصة لمجرد ان يسأل حسام عن حكاية هروبها من منزل والديها في رام الله ... فكيف الأمر وهي تجلس الآن بجواره، ويكاد يحصي انفاسها وهي تقرب كأس العصير من شفتيها الرقيقتين، ورائحة من عطر خفيف يفوح من جسمها ليعبق في ارجاء المكان؟

ثم أكمل حسام:

·       ولاء ليست عنصرا في التنظيم.. ولكن لا احد من التنظيم يعرف الحكاية غير فارس، وهو الذي طلب مني ومنك ان تساعدني كي نحصنّها مما أصابها.

·       نحصنّها؟

تساءل عمر في قرارة نفسه.. فكلمة التحصين عادة ما تستخدم بين اعضاء التنظيم عندما يكون للامر علاقة بمقاومة العملاء و"الشاباك".. فهل كانت عميلة وهربت؟

لكن حسام تدخل موضحاً من جديد بصوت خافت كي لا يكون مسموعاً من أحد العابرين بلا انقطاع من جانب الطاولة رغم انه اختارها بعناية في ركن بعيد من الحديقة:

·       سوف أتحدث بصفة تنظيمية ولست بصفتي خالها.. فولاء كما ترى شابة.. والحكاية ان والدها تورط مع "الشاباك" وأسقط معه والدتها.. وقد راح في الفترة الأخيرة يضغط عليها كي يسقطها هي الاخرى، لكنها ظلت تقاوم حتى حدث ما فاق قدرتها على الاحتمال أكثر مما تحملته وذلك عندما رأت والدها يحضر رجالاً ويدخلهم الى الغرفة مع والدتها ويغادر المنزل.. فهربت، وهي لا تريد العودة مهما كان الثمن.

وفي تلك اللحظة لم يدر عمر كيف استدارت عينيه نحو ولاء ليراها تطالعه من طرف عين تسترق النظر اليه باستياء مما كان خالها يقوله، وباستحياء من رأس مال قليلا نحو سطح الطاولة من الخجل وكأنها ما كانت تود ان يعلم بهذا الموضوع أي أحد من خارج العائلة.

ثم عاد بنظره الى حسام الذي تابع قائلا:

·       لم يعرف أحد من اخوتي بعد بموضوع شقيقتي والرجال.. فقد اتفقت مع ولاء على إخفاء هذه المعلومة عنهم.. لكنهم يعرفون بقصة التورط مع "الشاباك".. وهم مترددون في موضوع عودتها.. لكنني عندما عرضت الامر على فارس رأى ان نبعدها عن بيتنا معظم الوقت لتظل برفقة أختك في هذه الفترة حتى نخفف الملاسنة في البيت ونحميها.. ثم نجد لها حلاً... وقد رأيت ان نلتقي هنا لأعرفك بها ونرتب الامور.

لحظتها لم يجد عمر بداًّ من ذكر ما روته والدته عن مسألة الهروب، وكيف ان والديه يعتقدان بان في الامر ما قد يمس الشرف نظرا لتكتم زوجات أخوالها على الحقيقة.. وقال لحسام:

-       قبل ان تدخل البيت يجب ان نوجد تفسيرا مقبولا.. فعلاقة ولاء ستكون مع اختي..

 ورد حسام:

·       نعم.. فكرت في الامر.. واتفقت مع ولاء على ان تقول شيئاً واحداً ان اضطرتها الظروف لذلك وهو ان والديها يضغطان عليها للزواج من شخص مشكوك في انه عميل. وقد هربت لهذا السبب لأنهم مصرون على تزويجها إياه..

ثم توجه الى ولاء:

·       اليس كذلك يا ولاء؟

واكتفت ولاء من من مكانها بهز رأسها علامة الموافقة..

ورأى عمر في هذا المخرج مدخلا مقنعا قال انه سيبلغ به اهله في الليل.. وانه سيقول لهم بانه عرف الحكاية من حسام.. وهو يعرف ان والده شهم في مثل هذه الامور.. وانه قد يوفر لها الحماية ايضا طالما ان في المسألة اجباراً على الزواج من عميل خائن.

الفصل التاسع: رسالة حب

بعد اسبوعين من لقائه بها بوجود خالها حسام في نابلس، اصبحت ولاء مثل فرد من أسرة عمر.. فما عادت تغادر البيت الذي تأتيه صباحا الا في ساعة متأخرة من المساء عندما يمر حسام لأخذها الى بيتهم.. وحجتها في ذلك أمام أخوالها انها مستمتعة بصحبة شقيقة عمر، وحكايات والدته التي لا تنتهي، وغياب والده في فلاحة الارض معظم ساعات النهار.. وتواجد عمر معظم الوقت خارج المنزل بصحبة خالها حسام.

ورغم ان الاحداث التي تلاحقت دفعت بالانتفاضة في نهاية الاسبوعين الى التوهج في الشارع، الا ان انتفاضة أخرى من نوع عاطفي كانت تزداد اشتعالاً في صدر عمر.

ومع انه ظل حريصاً على ان يعاملها باحترام بالغ وبشكل رسمي طالما هي موجودة داخل البيت، الا ان عمر لم يكن قادرا على اخفاء اندفاعه بكل احاسيسه ومشاعره محو ولاء، والتي وصلتها مشاعره الفياضة من نظرة عينيه اليها في ذلك اليوم الذي التقيا فيه في المتنزه، فجعلتها تشيح بوجهها من قوة ما أثرت فيها تلك المشاعر، وجعلت قلبها يخفق في مكانه الى درجة ان كوب العصير الذي كانت تحمله بيدها كاد ان يندلق من الرجفة والاهتزاز.

فبعد اربعة ايام من ذلك اللقاء في المتنزه، امتلأت الشوارع بالمظاهرات الغاضبة بعد مشروع قرار مستفز قدمه الكونجرس الامريكي باعتبار القدس عاصمة لاسرائيل.

وفي اليوم نفسه تصاعد التوتر من جهة العراق عندما اغتال عملاء إسرائيليون العالم الكندي امريكي الاصل جيرالد فانسان بول الذي صمم المدفع العراقي العملاق "بابل" في بلجيكا.

وبعدها بستة ايام اعلنت الجمارك البريطانية عن ضبط 40 جهاز كريترون امريكي الصنع تستخدم في تركيب القنابل النووية كانت في طريقها الى العراق.

وفي نهاية مارس انضمت استونيا لقائمة الدول التي راحت تستقل تباعاً عن الاتحاد السوفياتي كما توقع المفوض السياسي في التنظيم.

لكن ما رفع وتيرة المواجهات بقوة في ذلك اليوم هو احياء الذكرى الرابعة عشرة ليوم الارض.

فقد تناغمت كل الارض الفلسطينية في ذلك اليوم بنفس الهتافات والأدوات.. شعب واحد كان يصرخ بين أكثر من 200 مليون فرد رفعوا اعلام فلسطين في 141 دولة منادياً بالحرية والاستقلال.. فيما راح الاسرائيليون يعبئون ماكنة سياسية لتحويل الانظار نحو خطر قادم من العراق، فاطلقوا في اليوم نفسه تهديدا بضرب بغداد اذا احسوا بانها اقتربت من انتاج الاسلحة النووية. وهو التهديد الذي رد عليه صدام حسين بعد ثلاثة أيام بحرق نصف اسرائيل بالكيماوي المزدوج اذا أقدمت اسرائيل على تلك المغامرة.

وقامت الدنيا ولم تقعد بعد تهديدات صدام.. واشتدت الاوضاع سخونة على الارض.. فقد جاءت تهديدات صدام مثل وقود ألهب جذوة الانتفاضة.. فرفعت صوره في المظاهرات ... وزاوج رماة الحجارة ومشعلي الاطارات بين العلمين العراقي والفلسطيني وهم يرفعونهما على الحواجز أمام الجنود الاسرائيليين الذين كانوا يردون عليهم بالرصاص الحي والمطاطي من آليات تزنرت نوافذها واطاراتها بالشباك الواقية.

ومع سخونة الاحداث السياسية، كانت المشاعر تتدفق يوما بعد آخر بسخونة أعلى عاطفيا ولكن بصمت من عمر كلما رأى ولاء..

فقد كبرت في نظره بموقفها الشجاع.. وقرارها الصائب في الهروب.. كما أعجبه ذكائها المتقد.. ولمس ثقافتها العالية في كل مرة كان يجد فيها فرصة للحوار ولو كان قصيراً..

وفي النهاية أوصلته قناعته بانه لا يقدم ولا يؤخر في موضوع تحصينها.. فهي محصنّة الى درجة انها قادرة على تحصينه هو.. وصار يعتقد بان القدر هو الذي دفعها الى طريقه ليتعلم معها لغة الحب التي لم يتعلمها أبدا من قبل وهو منشغل بتحقيق احلامه في ان يكون بطلا لقصة كفاح وطنية .. لا عاطفية.

وهي كذلك.. فقد وجدت في عمر منذ لقائها به مع خالها طريقا للخلاص مما هربت منه.. وأولته اهتماماً لم تستطع اخفاءه امام شقيقته وهي تكثر في السؤال عنه.. أاو عندما كانت تعبر لها عن اعجابها بحماسته الوطنية وبطريقته في التفكير.. وشعورها الغريب بالراحة والاطمئنان كلما تحدثت اليه.

وقد لاحظ عمر انها تكثر في تقليب الكتب التي يحفظها في غرفته عندما لا يكون موجودا.. وعرف ذلك من شقيقته التي ابلغته ذات مرة انهما غالباً ما تقضيان وقتهما في تلك الغرفة عندما لا يكون موجوداً في البيت..

كما ابلغته في مرة اخرى ان ولاء تحب الاستلقاء أحيانا على سريره عندما تقرأ واحدا من كتبه.. فراح يشمّ في كل ليلة الوسادة واللحاف عساها تكون تركت شيئا من رائحتها عليهما..

وقبل أيام من تهديد صدام بحرق نصف اسرائيل حاول ان يفاتحها باي طريقة بما كان يشتعل في صدره وما لم يكن قادراً على البوح به .. لكنه لم يجد جرأة لذلك.. فقد كان يرى ان الأولوية في العلاقة معها هي للمهمة المطلوبة منه.. اما الحب، فكأنما هو شيء قد حجب عنه طالما انه يناضل من أجل هدف أسمى.

لكنه تحت وطاة التفكير الذي ما كان ليتوقف بها، وجد الشجاعة أخيرا بطريقة يختبر فيها ردة فعلها على تلك المشاعر الجياشة التي تعصف بداخله..

وكانت الفكرة بسيطة.

فبعد يومين، وبينما راحت ولاء تقلب كتابا لم تصل يدها اليه بعد، سقطت ورقة كان يبدو انها كتبت للتو، فاعادتها الى مكانها.. لكنها بدافع الفضول عادت اليها مرة اخرى بعدما خرجت شقيقة عمر من الغرفة، وما ان فتحتها حتى عرفت بانها رسالة موجهة اليها رغم انها ما كانت تحمل اسما ولا شيء واضحا يشير الى ما كتبت من اجله..او لمن هي مرسلة اليه..

فقد كتب يقول:

"حين التقت العيون أول مرة خفق القلب..

وفي الثانية ارتعش الجسد..

كم هو قوي هذا الحب الذي يجرفني كالاعصار..

حب جمّل حياتي..

وجعل كل ايامي مذ رأيتك ملأى بالحب..

وانا العاشق الذي لم اعرف الحب يوما..

أسائل نفسي .. فتحدثني نفسي:

لا بأس ان تحاور نفسك.. ولا بأس ان تجيب على نفسك.. ولكن عندما لا تجد الاجابة، فقد يأخذك الطوفان الى هلاك".

وكاد عمر ان يطير فرحاً في تلك الليلة التي عرف فيها ان رسالته انفتحت امامها.. لكنه شعر بقلق وخوف عميقين ايضاً.. فقد انتقلت الرسالة من مكانها الذي علّمه بين صفحتين في ثلثه الاول الى صفحتين في مقدمة الكتاب، وعندما قربها من أنفه، اشتم نفس رائحة العطر الخفيف الذي عبق في "المتنزه"، والذي كان ما زال عالقا من أثر أصابعها.

ورغم ان الرسالة أعيدت الى مكان آخر بين صفحات الكتاب كما تركها تماما بنفس الشكل الذي طويت فيه، الا انه لم يلحظ اية اشارة او علامة تشير الى شيء ينبىء عن خطوتها التالية .. لذا امضى الليل حتى غفا وهو يفكر في التوقعات والاحتمالات..

وفي اليوم التالي خاب أمل عمر.. وكذلك في الايام الثلاثة التي تلته والتي لم يشاهد فيها ولاء في المنزل أبدا اثناء وجوده فيه رغم انها كانت تأتي اليه كالعادة كما كان يعرف من اخته.. إذ كلّما كان يعود لتقليب صفحات الكتاب نفسه في الليل، لم يكن يجد بينها شيئاً جديداً.. وفي الليلة الثالثة، لم يترك كتاباً على رفوف مكتبته الصغيرة دون أن يقلبه صفحة صفحة.. وعندما استبد به القلق أكثر.. راح يبحث عن شيء ربما تكون قد تركته تحت الوسادة او اللحاف.. أو ربما تحت بعض الأواني الموجودة في غرفته .. أو تكون أخفت شيئاً بداخلها.. لكنه عبثاً كان يحاول.

وعندما جلس لنفسه أخيرا راح يأكله ندم التسرع.. فهي وإن لم تكن تفكر فيه بالطريقة التي كان يفكر فيها.. أو تبادله ما كان يتمنى.. لكنه ما كان يريد أن يسقط في امتحان فارس أيضاً.. ولذلك قرر ان يواجهها في أول فرصة تالية سيراها في المنزل ليستعيد ثقتها به كمكلف من اجل المهمة المتعلقة بها فقط.. وان يغفل موضوع الرسالة.. معزّياً نفسه بانه لم يخطىء عندما تركها مكتوبة مثل خاطرة دون أن تشير الى أن أحدا ما هو المقصود بها بعينه.

لكن المفاجأة وقعت عليه كالزلزال عندما التقاها..

فقد كان ما زال في غرفته متعمداً انتظار وصولها كما تفعل كل صباح، وقد ابلغ اخته بعيداً عن مسامع الباقين بانه يريد ان تدخلها الى الغرفة ثم تخرج هي منها بأي عذر حالما تصل.. وعندما وقفا وجها لوجه.. هزه الارتباك من جديد.. لكنه ظل متماسكاً وهو يتراجع للخلف بقدمين مرتعشتين ناحية السرير ليجلس على طرفه.. فيما ظلت هي واقفة في مكانها خافضة الرأس مثل حائرة.

ثم راح يبحث عن مدخل لاي حديث يبدد السكون الذي اطبق في الغرفة..

وبعد تردد قال:

·       هناك موضوع أردت ان أحدثك فيه..

وكان يوحي انه يقصد الحديث في موضوع تحصينها..

لكنها فاجأته بالرد وهي ترفع رأسها لتتلاقي العيون ثابتة هذه المرة:

-       موضوع الرسالة؟

وحاول عمر ان يخفي حالة الارتباك التي عاودته مرة اخرى، فسألها متظاهرا بانه لا يفهم ما كانت تعنيه:

·       اية رسالة؟

فردت وهي ترسم ابتسامة نفثت موجات من الفرح في مكنون اعماقه:

-       الرسالة التي تركتها بين الصفحتين 18 و19 وتركتها لك بين الصفحتين 4 و5..

واستأنفت قائلة:

·       كنت اظنك أذكى من ذلك.

وللوهلة الاولى لم يفهم عمر لماذا نعتته ولاء بالغباء.. لكنه سرعان ما طابق الرقم 18 باليوم الذي التقاها مع خالها حسام في المنتزه.. والرقم 5 بالخامس من ابريل، وهو اليوم الذي عرف فيه انها قرأت تلك الرسالة، فادرك لحظتها انها ردت عليه في اليوم نفسه الذي وقعت فيه الرسالة بين اصابعها من دون ان تكتب شيئاً، ومن دون ان يفكر بانها ستكون دقيقة في ردها بالطريقة نفسها التي استخدمها الى هذا الحد.

وبعد صمت عاد يطبق على الغرفة للحظات بينما هو متسمر في مكانه وهي واقفة قبالته.. نهض عمر تتقدمه يده المرتجفة نحو يدها اليمنى التي استقبلتها بدفء، وانشدت عليها فيما كانت العيون تغوصان في العيون، والقلبان يخفقان.. والشفاه تكاد ان تقترب لولا دخول اخت عمر في تلك اللحظة.. فسحب يده وخرج مسرعا من الغرفة.

وفي عصر ذلك اليوم قبل ان يعود الى منزله.. التقاه حسام ليبلغه بان فارس يريد ان يراه في نفس الليلة لأمر عاجل، وحدد له مكاناً ينتظر ملثمين سوف يقودونه الى مكان اللقاء.

الفصل العاشر: اجتماع في مغارة

كان الظلام قد غطى الطريق الوعر المؤدي الى مغارة تحيط بها الصخور من كل جانب تقريبا، وقد أخذ عدد من الملثمين اماكنهم حولها يراقبون بشكل خاص شارع عمّان من بعيد في منطقة تتوسط الطريق بين مدينة نابلس والجفتلك في الغور محاولين قدر الامكان تمييز السيارات والشاحنات العابرة.

وداخل المغارة التي كانت تضيئها شمعة بنور خافت، تحلق أربعة من المطاردين في دائرة وبيد احدهم راديو ترانسيستور بحجم اليد كان يبث نشرة اخبار سمع منها عمر لدى دخوله في تلك الليلة خبراً عن الاعداد لاعلان وحدوي قريب بين شطري اليمن، وآخر عن اتفاق أمريكي-سوفيتي على تدمير ثمانية في المائة من مخزون الأسلحة الكيماوية، وثالث عن اجتماعات بدأت بين مسؤولين في الالمانيتين حول خطوات للبدء بتوحيد العملة والاقتصاد تمهيدا لتوحيد الشطرين الشرقي والغربي من الدولة التي قسمتها الحرب العالمية الثانية.

ومن العراق خبر عن زيارة وفد من الكونجرس الامريكي في اليوم التالي بعد التوتر الذي احدثته تهديدات صدام بحرق نصف اسرائيل بالكيماوي المزدوج.

وكان وسط المطاردين فارس... رجل بلغ الاربعين، لكن ملامحه كانت توحي بانه ما زال من جيل الشباب: أسمر بملامح صارمة.. يلكز نتيجة إصابة في ساقه اثناء عملية لكنه لا يستعمل عصا.. وبنيته قوية.. وهو متزوج، وله ثلاثة اولاد وبنت أكبرهم فراس الذي بلغ من العمر 10 سنوات.

وقد عايش فارس هزيمة حزيران 1967، وقبل ان يمضي عام على الاحتلال، ضمه سجن نابلس المركزي مع مجموعة من نحو 30 فتى لم يبلغوا العشرين من أعمارهم بعد .. لكنهم شكلوا تنظيما عفوياً مقاوماً نشط بشكل خاص في مخيم بلاطة الذي انشيء كفلسطين مصغرة جنوب غرب المدينة من لاجئي مدن يافا وحيفا وكفرسابا وقاقون ومسكة ويازور وبيت دجن والطيرة واللد وطيرة دندن والطيبة وقلنسوة والرملة وعرب ابو كشك وابو شوشة والمجدل وكفر قاسم وبير السبع والعباسية والخيرية والخالصة وعكا وزكريا وكفر عانا والجماسين والحشاشين والقرعان، وعرفوا باسم "الكف الاسود".

ومع ان هذه الجماعة لم تكن مسلحة، وكانت تضم طلاباً معظمهم في المرحلة الاعدادية، الا انها ازعجت سلطات الاحتلال بطرقها البدائية في المقاومة قبل ان يمر العام الاول من احتلال الضفة الغربية.. كتوزيع المنشورات التي تحض على الاضرابات والتي كانت تختم بنصف حبة بطاطا محفور عليها اسم "الكف الاسود".. واخراج المظاهرات من مدرستي الذكور والاناث الاعداديتين، والتي غالبا ما كانت تشتبك مع قوات الاحتلال قبالة "دير بئر يعقوب" بعد ان يغلقوا الشارع بالاسلاك الشائكة والاطارات المحترقة لمنع الجنود الاسرائيليين من اقتحام الشارع نحوهم بالسيارات العسكرية، او غرس المسامير تحت اطارات حافلات شركة "ايجد" التي كانت تاتي لتنقل العمال فجر كل يوم من شارع القدس، او محاولات احراقها بقنابل المولوتوف.

وقد اتسعت هذه المجموعة قبل اعتقالها لتشمل طلابا آخرين من نابلس والقرى التابعة لها مثل روجيب وسالم وبورين وحوارة وبيتا وعصيرة الشمالية ومخيم عسكر..

والى جوار فارس، جلس اربعة قياديين آخرين من التنظيم وامامهم عمر..

وعندما سأله فارس ان كان فكر في السبب الذي جعلهم يستدعونه الى تلك المغارة على هذا النحو أدرك ان المهمة ستكون كبيرة هذه المرة، وكان عليه ان يصغي جيداُ لكل ما يقال، وان يكون على استعداد لتنفيذ ما سيطلب منه حتى لو تطلب الامر استشهاده.

فرد  قائلا:

·       كلا.. ولكني رهن الاشارة، ومستعد لكل شيء.

فاكمل فارس:

-       المهمة هذه المرة ستكون صعبة، تتطلب جرأة وتحملا وصبرا وذكاء. وقد اخترناك لاعتقادنا بانك قد تكون الأنسب، ولكننا سنمنحك الفرصة للتفكير فيها أيضاً.

ورد عمر:

·       وما المطلوب بالضبط؟

واردف فارس:

-       وصلتنا معلومات من معتقل عسقلان عن شبكة عملاء، والشك يدور حول من يرأسها.. وهو من أحد أقاربك.

ودارت عيني عمر في محجريها وهو يواصل الاستماع الى فارس:

-       ربما تكون المعلومات مضللة او بدافع الانتقام.. لا ندري بعد.. لكننا نريد التأكد أولاً من هذا الامر، وان صح ذلك، نريد الاستفادة منه لمصلحة التنظيم.

ورد عمر:

·       ومن هو ذلك القريب؟

وعلت الدهشة وجهه وهو يسمع الاسم:

-       شعبان

وشعبان هو ابن عم عمر.. ورغم ان زوجة فارس كانت قد ابلغته ذات مرة أنه غالباً ما يكون في شرفة منزله يتحدث بالهاتف عندما يكون أحد المطاردين في القرية، الا ان المعروف عن شعبان بين الجميع أنه شخصية وطنية، لا يتوانى عن تقديم الخدمات والمساعدة لمن يقصده.. كما انه نادراً ما كان يغيب عن مناسبة فرح او عزاء في أي بيت.. وكان احد الساعين لانشاء ناد اجتماعي للشباب في القرية بعد ان كبرت.. وكان البعض يرى في تكتمه عند الحديث عن التنظيم امراً خاصاً به، وبالسرية المطلوبة في العمل الوطني.

ورغم الذكاء والكتمان الذي يتميز به عمر بين اقرانه في التنظيم .. فانه لم يلاحظ ابداً أية حركة مشبوهة أو عمل مريب قام به شعبان أو اثار ادنى شك فيه لديه..

لكنه لا يستطيع التشكيك بما يقوله فارس أيضاً.. فطالما ان المعلومات وردت من المعتقل، فلا بد ان لهذه الحكاية بداية هناك..

كما ان فارس بالنسبة له قدوة في العمل النضالي.. وكثيرا ما كان يشبهه بـ"جيفارا غزة"، واضافة لذلك، فانه كان المسؤول المباشر عن عمله مع حسام في الوسط الطلابي، وكان يرى في العلاقة معه طريقا للوصول الى حلمه في ان يذكره التاريخ بطلا شجاعا.

وتدخل احد القياديين الاربعة قائلا:

-       لا نريد كشف الشبكة فقط، هدفنا اختراق "الشاباك" أيضاً.

وتدخل آخر قائلا:

-       ان ثبت فعلاً ان شعبان يدير شبكة للعملاء، فاننا نريدك ان تنفذ اليها من خلاله، وان تلازمه وتتعاون معه لصالح التنظيم.

وكان عمر صامتا يستمع، بينما عاد فارس للحديث:

-       ولكن قبل ذلك، يجب ان تعرف بأن ثمن هذه التضحية قد يكون باهظاً.. فقد أعددنا خطة، وهي صعبة تحمل مخاطر غير متوقعة..

ولحظتها أجاب عمر في علامة على الموافقة:

·       وما هي الخطة؟

ورد فارس:

-       بداية، سنصدر بيانا بفصلك من التنظيم دون توضيح السبب، لكننا سنثير الاشاعات والشبهات حولك.. وقد يصطدم شباب التنظيم بك حتى تصبح صيداً لشعبان، فان تأكدت المعلومات، تواصل العمل معه، ودعه يجنّدك.. ولكن عليك التصرف بالحكمة في اللحظة الاخيرة قبل ان تقع في الشراك التي سينصبها لك على الطريق.. وفي حالات الضرورة القصوى، تتواصل معنا عن طريق البقال أبويوسف.

وبعد لحظة من التفكير رد عمر:

·       وماذا لو انكشف امري امام شعبان وعرف بذلك؟ لا تنس انه قريبي، والمسألة حساسة من جانبها الوطني.

واجابه فارس:

-       ستكون قائد المهمة، وليس غيرك من سينفذها معك.. فان كشفت، فانت السبب. وانت من يتحمل المسؤولية عن فشلك فيها.

وفي لحظة بدا لعمر ان ما يطلب منه ليس بقليل.. وعندما فكر بعمق أاكبر، بدت المهمة محفوفة بمخاطر كبيرة ليس أقلها أن سمعته ستتشوه وهو الذي ظل طوال حياته محافظاً على سمعة حميدة، وليس آخرها ان يمضي سنوات شبابه القادمة في معتقل وهو الذي يطمح ان يكون طبيباً او مهندساً بعد عدة سنوات..

وولاء ؟؟

هذا الحب الذي انفجر صباحاً بعد ان كافح طويلاً من أجل الوصول الى قلبها ولم ينعم بعد حتى بفرحه من انها تبادله نفس المشاعر.. كيف ستنقلب الامور معها بهذه السرعة المفاجئة؟

لكن شيئا آخر كان أقوى من تفكيره بالحب دفعه لمقاطعة فارس عندما منحه فرصة للتفكير او الاعتذار عن المهمة، فرد من دون تفكير مسبق:

  • بل سأفعل ولو كلفني الأمر حياتي.